لسان الدين ابن الخطيب
15
الإحاطة في أخبار غرناطة
وفاته : ولمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه ، كرّ راجعا إلى الأندلس ، فتوفي في طريقه ببونة « 1 » ، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين ، أو أقرب من الأواخر وسبعمائة . محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي ويعرف بابن الرمّالية ، من أهل غرناطة ، ويعرف خلفه الآن ، ببني مرزبّة ، ولهم أصالة وقدم وجدة . حاله : فقيه ، نبيه ، نبيل ، ذكي ، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية ، حسن المشاركة والمحاضرة ، حاضر الذهن ، ذاكر لما قرأه . مشيخته : روى عن الإمام أبي بكر بن العربي . قال أبو القاسم الملّاحي : وحدّثني سنة أربع وستمائة ، قال : حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي ، رضي اللّه عنه ، قال : حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي ، قال : خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد ، ومودّعين لها من الغد ، وحين أصبحنا أثيرت الجمال ، وفرض الناس الرّحال ، ونحن بموضع يعرف بجبّ عميرة ، إذا بفتى شاحب اللّون ، حسن الوجه ، يشيّع الرّواحل ، راحلة بعد أخرى ، حتى فنيت ، ومشى الحاجّ ، وهو يقول في أثناء تردّده ونظره إليها : [ الطويل ] أحجّاج بيت اللّه ، في أيّ هودج * وفي أيّ بيت من بيوتكم حبّي ؟ أأبقى رهين القلب في أرض غربة * وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب ؟ فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي * ولم أتمتّع بالسلام وبالقرب وفرّق بيني بالرّحيل وبينكم * فها أنذا أقضي على إثركم نحبي يقولون هذا آخر العهد منكم * فقلت وهذا آخر العهد من قلبي « 2 » قال : فلمّا كمل الحاجّ المشي ، وانقطع رجاؤه ، وجعل يخطو هائما ، وهو ينشد ، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض وقال : [ المديد ] خلّ دمع العين ينهمل * بان من تهواه وارتحل أيّ دمع صانه كلف * فهو يوم البين ينهمل
--> ( 1 ) بونة : مدينة قديمة من بلاد إفريقية ، على ساحل البحر ، مرساها من المراسي المشهورة ، وتسمى بلد العنّاب لكثرة العناب فيها . الروض المعطار ( ص 115 ) . ( 2 ) في الأصل : « قلب » بدون ياء .